يمكنكم إنشاء موقع لكم واستضافته مجانا. انقر هنا للتسجيل
إذا صادفتك مشاكل، الرجاء الاتصال بالسيد:imsalek@gmail.com لن يتردد في مساعدتكم.

الفصل الثالث: الثورة الإجتماعية والفكرية

الثورة على الظلم والجمود

كانت ثورة الشابي على الرجعية والجمود عنيفة لا تلين، متواصلة لا تنقطع، صدرت عن وعي عميق برسالة الأخلاق والفكر، في بناء المجتمعات، ومن ثم كانت ثورته ضد الجمود والجامدين الذين شوهوا تعاليم الإسلام لا تقل حدة عن ثورته ضد المستعمرين. فيتفجر في أبيات ثائرة على تلك الفئات الجامدة التي كبلت المجتمع في أغلال النسيان والتي أقعدته عن الحركة والإنطلاق فيصرخ تحت وطأة الظلم والجهل ثائرا:

كلما قام في بـلاد خـطـيـــــب***موقظ شعبه يريد صلاحه
أخمدوا صوته الإلهي بالعسف***أماتـوا صـداحـه ونـواحـــه
ألبسوا روحه قميص اضــطــراد***فاتك،شائك، يريد جماعه

هكذا كان الشابي يتعذب ويئن وينزف دماء. ولكنه أبدا لم يتوقف وأخذ مكانه في القلب المعركة يصدح أمساخ القديم بكل ما يملك من إيمان وقوة وإصرار. ها هو يصيح كالمؤذن في جوف الليل لينهض النيام والغافلين وينبه السكارى:

سكتم حماة الدين سكتة واجم***ونمتم ملء الجفن والسيل داهم
سكتم وقد شمتم ظلاما غصونه***علائـم كـفـر ثـائـــر ومـــعـــالـــــم
أفيقوا فليل النوم ولى شـبـابـــه***ولاحت لـك آلاء الـصـبـاح عـلائـــم

في هذه البيئة المتحجرة تضايق الشابي من الجامدين وسماهم بالكناية ازدراء لهم في "رسائله" وفي كتابه "الخيال الشعري عند العرب" يمثل هذه الأسماء والأصنام الخشبية "أحلاس الجمود" "عباد الموت" "أمساخ القديم" "أصحاب الضغط والحجر"

لا تعجب من قساوة الشابي على الجامدين لأنها قساوة واجه بها الشابي خصوما متشددين في غير الحق، رافضين الحوار معهم، منحرفين عن مناهج النقد الموضوعي في مناقشة آرائهم، مستعملين سلاح الدس والتضليل واتهام كل من لم يكن من رهطهم بالإلحاد والمروق كما فعلوا مع الشابي عقب إلقائه بيانه الأدبي "الخيال الشعري عند العرب" على مسامعهم بقاعة الخلدونية سنة 1920 م إذ اتهموه بنكران الماضي ومحاربة أمجاده وبالعقوق لآبائه وأجداده، وبالسخرية من التراث المقدس.

لكن الشابي لم يكن ثائرا إلا على السخافة المستحكمة والتقاليد الجامدة، والمقاييس المتحجرة والعقول المحنطة. ولذلك يصورهم في أفظع صورة قائلا:

إني أرى فأرى جمـــوعـا جـمــــة***لكنها تحـيـا بـلا ألــبــــاب
فرحت بهم غول التعاسة والفـنــا***ومطامع السلاب والغلاب
لعب تحركها المطـامـع واللــــهى***وصغـائر الأحـقــاد والآراب
وأرى نفـوسـا من دخـان جــامـــد***ميت كأشماخ وراء ضبـاب
موتى نسوا شوق الحياة وعزمها***وتحركوا كتحرك الأنصـــاب

وكذلك كان الشعب نائما في شقائه مستسلما للتعاسة والبؤس. ونظر الشابي إلى مجتمعه المتعفن كأنه حجارة نقشت فوقها العيوب القديمة الراسخة:

عمر ميت وقلب خواء ***ودم تثيره الآلام

هكذا كان شعبه آنذاك كالصخر في جموده لا ينبض بالحياة. والزمن الذي يعيشه الشابي يدفعه إلى التغيير والتجديد. وهذه الدعوة تتنفس في كل ما قاله من شعر بهذا الصدد. ها هو يتصدى للرجعيين الذين أرادوا خنق صوته، وإحراق دعوته قائلا:

وأقول للجمع الذين تجشموا***هدموني وودوا لو يخـر بـنــائــــي
إني أقول لهم بصوت حــالــم***وعلى شفاهي بسمة الإستهزاء
إن المعاول لا تهد منــاكـــبي***والنـار لا تـأتـي عـلى أعضــائــــي

إنها القوة الأسطورية الخارقة في صراعها مع الأعراق والعقائد البالية التي عشعشت في أدهان شعبه، والتي تبنتها الرجعية قيما لها. ثم نراه في قصيدة أخرى يقدم لنا الرجعيين في أبشع صورة مصورا لنا أثرهم السلبي على شعبه:

يحيى على رمم القديم المحتوى***كالدود في حمم الرماد الخابي
والشعب بينهـم قـطـيــع ضـائـــــع***دنـيـاه دنـيــا مـأكــل وشــــراب

وهكذا كان الشعب في قبضة الرجعيين القانعين باجترار مآثر الماضي مما جعل الشابي يلهب شعره ثورة عليهم. وكانت ثورة لا تعرف الإستكانة، همها الوحيد تطهير الشعب من الجمود والرجعية المقيتة.

وكانت رسائل الشابي ومذكراته ومسامراته طافحة برفض الجمود والظلم والثورة عليهما وهو القائل "لقد أصبحنا نتطلب حياة مشرقة ملئها العزم والشباب ومن يتطلب الحياة فليعبد غده الذي في قلب الحياة" أما من يعبد أمسه وينسى غده فهو في أنباء الموت.

وكانت ثورته على الجامدين لا تهدأ فهو القائل "لا خير في أمة عارية تكتم فقرها ولا خير في شعب جائع يظهر الشبع... وشر من كل ذلك أمة تقتني أثوابها من مغاور الموت ثم تخرج في نور النهار متبجحة بما تلبس من أكفان الموت، وأكسية القبور"

وإذا كانت ثورة الشابي ضد الظلم والجمود عنيفة هوجاء متواصلة لا تنقطع، فإنها لم تصدر عن حقد ضد الدين ولم تكن تشويها للتراث ومسخا لجماله. ولكنها صدرت عن وعي وإيمان متمكن بدور الدين في حياة الأمم ووعي عميق برسالة الأخلاق والفكر في بناء المجتمعات.

فالشابي لم يكن كافرا بالقديم العريق، ولكنه كان كافرا بالعقلية التي تريد إيقاف الناس عنده، فلا تسمح بتخطيه والتفوق عليه فتسد ذلك منابع النبوغ والإبداع في الأمة وهو القائل:

الشقي الشقي في الأرض شعب***يومـه مـيــت ومـاضـيــه حــــي

وهكذا كان شعبه يعيش على أمجاده الماضية، قانعا باجترار مآثرها والركون إليها فحقت عليه ثورة الشابي.

الثورة على القدر والمرض

تعرض لقلب الإنسان أزمات نفسية ثائرة، يعصف فيها الألم والقنوط بكل حقائق الحياة، وتتزعزع معها كل قواعد الإيمان، والحق والجمال. فيشعر كأنما الحياة فن من العبث المرعب الممل، لا يجدر بالعطف ولا بالبقاء وتحت تأثير الحالة النفسية الجامحة انفجرت من بين شفتيه صرخات وتدفقت من بين أوتار قلبه أنغام كاسحة وألحان ثورة مدمرة جارفة. فأنكر فيها وتنكر وألحد وتهجم. ففي قصيدته "إلى الله" صرخ ثائرا:

هذه مهجة الشقاء تناجــيـــك***فهل أنت سامـح يـا إلـهـــي
أنت أنزلتني إلى ظلمة الأرض***وقـد كـنــت في صــبـــاح زاه

ثم يقول:

يا رياح الـوجــود سـيـــري بـعـنــــف***وتـغــنـــي بـــصوتـــــك الأواه
وانفخيني من روحك الفخم ما يبلغ***صــوتي آذان هــذا الإلــــــــه
فالإله العظيم لم يخـلـق الـدنــيــــا***سوى للفناء تحـت الــدواهي

إلى قوله:

يا ضمير الوجود يا عالم الأرواح***يا أيها الفضـاء الــســـاهي!
خبروني هل للـورى مــن إلـــه***راحم –مثل زعـمـهــم- أواه
إني لم أجده في هذه الدنيـــا***فهل خلف أفقها مـن إلـه؟!

إنها ثورة على القدر تفيض عن جراح نفسه، إنه لهيب السخط والغضب لأن جرح مصائب القدر يصيب صاحبه دون ذنب مشهود، فلقد خلع الشابي ثوب المسكنة والضراعة وارتدى لباس التمرد. وفي هذه الثورة تضاءل قدر الإله "ما يبلغ صوتي" "آذان هذا الإله" والشابي يعتصم بالريح رمز القوة الهوجاء المطلقة ليدرك مسامع ذلك الخلق الذي يناهض القوي على الضعيف. إنها الثورة الميتافيزيقية التي يواجه بها لله، تمرد المخلوق على الخالق.

فنراه يستعمل النداء ويكرره تمثيلا للغضب والثورة العارمة، إنه التمرد والإختلال. إذ يبلغ تمرده إلى حد استعماله هذه التعابير "يا ضمير الوجود"، "يا عالم الأرواح"، "يا أيها الفضاء الساهي!"... الخ. بل عمد إلى التخصيص الذي يوحي بالتأكيد وشدة الإتهام من ذلك تكريره للضمير "أنت" في أبيات متعددة "وأنت أنزلتني" "أنت أوصلتني"... الخ.

وهذه التعابير تعكس ثورته العارمة العمياء. وفي رسالة إلى صديقه "الحليوي" يصور هذا الشعور بقوله "إن الثورة التي تعصف في جوانب الصدى لا تهدأ ضجتها ولا يسكت هديرها ولا يخمد طغيانها العارم المرير، وأن المعاني لتزدحم وتتصارع في رأسي بصورة مرعبة، وإنني لعاجز أن أصور لك ما يصطفق في قلبي من ثورة وسخط، وغضب، وحيرة، وشك، وتساؤل و آلام. ثورة على القدر وشك في المستقبل وألم لحظ تونس المنكوب"

وكثيرة هي الأشعار التي تعبر على ثورة الشابي وتمرده وصموده لحتميات القدر. والشابي قد لا يصرح بأنه يناهض المصائب وإنما يصور ذلك بالغصون التي تنبت في الأغاني، حيث الزوابع والأعاصير ومثل ذلك قوله:

في جبال الهموم أنبت أغصاني***فرقت بين الصخور بجـهـدي
ويغشانـي الضبـاب... فـأورقــــت***وأزهـرت للعـواصـف وحــدي
وتغزلـت بـالـربـيــع، وبـالـفـجـــــر***فماذا ستفعل الريح بعـدي؟

فالأبيات تنم عن التمرد والإعتصام بالقدرة الإنسانية، إنه التصدي للخطوب و عوادي الدهر، وبذلك تعد القصيدة تعبيرا عن تمرد الشاعر على قدره. هكذا كان الشابي ثورة على كل شيء؛ ثورة على القدر الذي جعل طريقه مزيجا من الأشواك والصخور، وثورة على الداء الذي افترم شبابه.

"كانت ثورته لا تعرف السكينة ولا تجنح إلى الهدوء، فهي قوة عاتية، قلما خضعت لنواميس الحياة، وهي طاقة جبارة لا تمل مجالدة الأيام، ولا تسأم مصارعة الزمن، ثم أتى عليها الزمن كما يأتي على كل شيء، فعصف بهيكلها، ولكنه عجز أن يعصف بلهيب روحها"

استمع إلى هذه الأنغام الصاخبة والقذائف الشعرية الكاسحة، أو لهذه الصيحة التي تحرك المشلول في القصيدة الخالدة "نشيد الجبار" و "هكذا غنى برومتيوس"

سـأعـيـش رغــم الــداء والأعــــداء***كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو إلى الشمس المضيئة – هازئا ***بالسحب والأمطـار- والأنـواء

إلى أن يقول:

وأقـول لـلـقــدر الــذي لا يــنــثــــني***عن حـرب آمـالي بـكـل بــلاء
لا يطفيء اللهب المؤجج في دمي***موج الأسى، وعواصف الأرزاء

الثورة على النظام الإجتماعي

إن الثورة على الأوضاع الإجتماعية المتردية في شعره تتضاءل أمام الثورة عن الأوضاع السياسية والفكرية. فقضية المرأة في شعره ليست كالتي نجدها عند الشعراء الآخرين أمثال "حافظ إبراهيم"، "خليل مطران" وغيرهما من الدعوة إلى تعليمها وتحريرها والثورة على واقعها المتردي. ولم يكن أبو القاسم بعيدا عن جو هذه الدعوة إلى بعث المرأة وإعادة مكانتها في المجتمع والثورة على واقعها ولكن محاولة الشابي في هذا المجال كانت أشبه ما تكون بالنظرة الصوفية للمرأة، فنراه يغار عليها ويحذرها من الذين يطمعون فيها، ويغررون بها لأنها تحسب الناس كلهم أبرياء بمثل براءتها.

أنت كالزهرة الجميـلـة في الغــاب***ولكن ما بين شوك ودود
والرياحين تحسب المسك الشرير***والدود من صنوف الـورود

ففهمي الناس إنما الناس خلق مفسد في الوجود غير راشد وهو شعور فيه غضب وسخط، وثورة يعلنها الشاعر على الإنسان والمجتمع الذي لم يعد يقدر المرأة ويحترمها ويتألم الشابي من الأوضاع الإجتماعية المتردية فينفجر مدويا ثائرا على الناس:

أي ناس هذا الورى؟ مــا أرى***إلا برايا شقية مجنـونـة
جبلتها الحياة في ثورة اليأس***من الشرك تجن جنونه

ويقدم لنا صورا لتصرفاتهم الوحشية، فصور أصحاب النزعات الذاتية في مواقف الخداع، يبادرون الفتاة بالمدح والحمد، والتغني بالجمال إلى أن يصلوا إلى مبتغاهم. فإذا فوجؤوا بها تصون الفضيلة عابوها. أما إذا ما باعتها لهم فإنهم يتظاهرون بعبادتهم فيصرخ ثائرا:

كم فتاة جميلة مـدحـوهـــا***وتغنوا بها لكي يسقطوها
فإذا صانت الفضيلة عابوها***وإن باعت الخنا عـبـدوهـــا

وهكذا كان الشابي يثور على مجتمعه الفاسد من خلال ثورته على وضعية المرأة. وتبقى ثورته على وضعيتها ليست كالتي نجدها عند الشعراء المشرقيين من الدعوة لتعليمها وتحريرها، وإنما اكتفى بنصحها والثورة على المجتمع الذي لم يعد يقدرها ويحترمها.

الثورة على الوضع الطبقي

كان قلب الشابي يتفطر عند رؤيته للوضع الطبقي الذي يعيشه المجتمع التونسي، فطبقة تعيش في أحضان القصور، وأخرى بيوتها كالقبور. طبقة إقطاعية مستحوذة على كل الخيرات وأخرى عظامها نحرت ودماؤها نزفت ولا تملك إلا العدم. فصرخ الشابي ثائرا لاعنا هذه الأوضاع:

الحقل يملكه جبابرة الـدجى***والروض يسكنـه بنـو الأربــاب
والنهر للغول المقدسة الـتي***لا ترتوي، والغـاب للـحـطـــاب
وعرائس الغاب الجميل هزيلة***ظمأى لكل جني وكل شراب
ما هذه الدنيا الكريهة؟ ويلهـا***حقت عليها لعـنـة الأحــقــاب

هذه الأوضاع الفاسدة هي التي زرعت النقمة والثورة في شعره، وجعلته من ألفه إلى يائه مجموعة صرخات حادة. استمع لرعوده وصرخاته في قصيدته "للتاريخ":

البؤس لابن الشعـب يـأكـل قلبـــه***والمجــد والإثـــراء لـلأغــــراب
والشعب معصوب الجفون، مقسم***كالشاة، بين الذئب والقـصـاب
والحق مقطـوع الـلـسـان مـكــبــل***والظلم يمنع مذهب الجلـبــاب
هذا قليـــل مــن حـــيـــاة مـــــــرة***في دولة الأنـصـاب والألـقـــاب

هذا الواقع المر هو مبعث الكراهية والحقد، للقصور وسكانها، فيصرخ بذلك قائلا:

كرهت القصور وسكانها***وما حولها من صراع عنيف

إنه يراها تتعاظم بعنجهيتها على جماجم الكادحين، فهي لا تشمخ إلا على منازعة الآخرين بالظلم فيصرخ قائلا:

وحيث يعيش كالفأس، هدما***ليعلى بين الخراب بناءه

لقد رفض الشابي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وإنك لترى وهج نار الرفض والثورة في أشعاره. لقد ثار على أبناء القصور الذين يمتصون رحيق الحياة من الطبقة الكادحة، وينخرون عظامها. والشابي لم يستطع أن يفصل بين القضايا الإجتماعية والسياسية والفكرية في شعره، وإنما جاءت متلاحمة، ذلك لأن الوضع الإجتماعي والفكري هو امتداد للوضع السياسي بل وليده. إلا أنني ارتأيت الفصل بينهم لضرورة اقتضاها المنهج. ثورة على المرض والقدر والأعداء تتجلى في هذه الأبيات، نراه يصارع القدر في عنف واعتداء وكأنه لا يقل عنه شيئا في القوة والجبروت. كل ذلك في جو أسطوري رهيب. ويتضاعف هذا التأكيد من تصديه للقدر في قوله : "لا يطفيء النار المؤجج في دمي" وذلك اللهب هو لهب الإرادة.

مرض القلب يكاد يفتك به، وجراحه تكاد لا تندمل. ولكنه تحدى ذلك وراح يزأر كالعاصفة والداء ينشب أظفاره فيه:

فاهدم فؤادي ما استطعت، فإنه***سيكون مثل الصخرة الصـمـــاء
لا يعرف الشكوى الذليلة والبكاء***وصراعـه الأطفال والـضـعــفــــاء
ويعـيـش جـبـارا يحـدق دائـمـــــا***بالفجر... بالفجر الجميل النائي

حقا، إننا لم نعرف لأبي القاسم ذلة في الشكوى ولا دموعا في الملمات، ولا خنع لمخلوق في الوجود. وها أنتم ترونه رغم آلامه القاتلة، وجراحه العميقة الدامية بالمتشحة باللهيب. فقد ظل كالجبار يرنوا دائما للفجر الجميل، فجر الإنطلاق من أغلال الجمود وقيود الحياة، وشرور وآثام المجتمع.

غير أن تمرد الشابي على القدر لم يكن نتيجة إلحاد، وإنما هو وليد الحالة النفسية الثائرة والجو القاسم الذي يعيشه، فسرعان ما تمر السحابة السوداء ويزول الجو المكفهر المخنق، فيتنفس الصعداء ويتراجع عما قاله طالبا الغفران:

ما الذي قد أتيت يا قلبي الباكي؟!***وماذا قد قلته يـا شـفــاهي؟
يا إلهي قد أنـطـق الـهـم قـلــــبي***بالذي كان... فاغتفر يا إلهي

إن ثورة الشابي على القدر وليدة لحظات الإعياء فالمرض هو الباعث الدائم لها. لا الإلحاد والكفر كما يدعي شيوخ عصره.